سجّل الدخول للوصول إلى هذا المحتوى
تسجيل الدخولحذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في 23 سبتمبر 2026 من تصاعد المخاطر المالية بعدما بلغت عوائد السندات الحكومية لأجل 30 عاماً أعلى مستوياتها في 15 عاماً على الأقل في 6 من دول G7. وقالت المنظمة إن ارتفاع العوائد يعني زيادة تكاليف خدمة الدين على حكومات تعاني موازناتها ضغوطاً قائمة بالفعل، إلى جانب ارتفاع كلفة الاقتراض على الشركات والأسر. ويحوّل ذلك موجة البيع في السندات طويلة الأجل من حركة سعرية عابرة إلى مسألة تمس قدرة الحكومات على تمويل العجز وإعادة تمويل الديون المستحقة. فالأثر على الموازنة لا يظهر دفعة واحدة، بل يتراكم كلما استُبدلت السندات القديمة منخفضة الكلفة بإصدارات جديدة ذات عوائد أعلى. ولهذا تتركز قراءة المستثمرين للخبر على مدة بقاء العوائد مرتفعة وسرعة انتقالها إلى متوسط تكلفة الدين، وليس على مستوى عائد منفرد في جلسة واحدة.
توضح أرقام المنظمة حجم التمويل الذي سيتعرض لهذه الآلية، إذ بلغ إجمالي اقتراض الحكومات المركزية في دول OECD مستوى قياسياً قدره 17 تريليون دولار في 2025، ارتفاعاً من نحو 16 تريليون دولار في 2024، ويُتوقع أن يصل إلى قرابة 18 تريليون دولار في 2026. وانخفض الاقتراض كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بنحو نقطة مئوية إلى 23% في 2025، لكنه مرشح للعودة إلى 24% في 2026. وبلغت احتياجات إعادة التمويل نحو 13.5 تريليون دولار في 2025، أي ما يقارب 80% من إجمالي الاقتراض، مع توقع ارتفاعها إلى 14 تريليون دولار في 2026. أما صافي الاقتراض فاستقر حول 3.5 تريليون دولار في 2025، قبل ارتفاع متوقع إلى قرابة 4 تريليونات دولار في 2026. وتعني هيمنة إعادة التمويل أن عبء العوائد المرتفعة ينتقل تدريجياً إلى الموازنات حتى لو لم تسجل الحكومات زيادة مماثلة في الإنفاق الجديد.
ارتفع رصيد السندات السيادية القائمة في دول OECD إلى مستوى قياسي بلغ 61 تريليون دولار في 2025 من 55 تريليون دولار في 2024، وهو أكبر ارتفاع سنوي منذ الجائحة وفق التقرير. وظلت النسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي مستقرة عند 83% بين 2024 و2025، لكنها مرشحة للصعود إلى 85% في 2026، وهو أعلى مستوى منذ 2021. وبلغ إنفاق الفوائد 3.3% من الناتج على مستوى المنطقة، قريباً من ذروة السنوات الـ10 الماضية البالغة 3.4%، ما يبيّن أن الضغط قائم قبل اكتمال إعادة تسعير الديون القديمة. وتتوقع المنظمة أن تضيف مدفوعات الفائدة 2.5 نقطة مئوية إلى نسبة الدين للناتج في 2026، مقابل أثر خافض للتضخم قدره 2.4 نقطة مئوية. والفارق الصغير بين الأثرين مهم لأنه يعني أن تآكل القيمة الحقيقية للدين بفعل التضخم لن يكون كافياً، وفق التوقعات، لمعادلة عبء الفائدة الأعلى.
يتركز الاختلال في الطرف الطويل من منحنى العائد، لا في جميع الآجال بالدرجة نفسها؛ فقد استقر وسيط عائد السندات لأجل عامين قرب 2.5% في 2025 بعد أن كان قريباً من 4% في 2023. وتحرك وسيط عائد أجل 10 سنوات غالباً داخل نطاق 3%-3.5% خلال 2024 و2025. في المقابل، ارتفعت عوائد أجل 30 عاماً خلال 2025 في 21 من أصل 23 دولة تتوافر عنها بيانات، وصعد الوسيط من 3.2% إلى 4.1%. وبلغ متوسط علاوة الأجل المقدرة للسندات السيادية لأجل 10 سنوات في دول المنظمة 0.84% بنهاية 2025، وهو أعلى مستوى في أكثر من عقد. وتوضح هذه المقارنة أن الضغط لا يأتي فقط من توقعات الفائدة القصيرة، بل أيضاً من التعويض الإضافي الذي يطلبه المستثمر للاحتفاظ بسند طويل الأجل معرض لمخاطر التضخم والعرض وعدم اليقين.
تفكك المنظمة ارتفاع العوائد طويلة الأجل إلى ثلاثة محركات مترابطة: كثافة إصدار السندات، وتراجع الطلب الهيكلي على الأصول طويلة الأجل، وارتفاع تصورات المخاطر المرتبطة بالمسارات المالية. كما تزيد العجوزات واحتياجات إعادة التمويل حجم الأوراق التي ينبغي للسوق استيعابها، فتضاعف أثر التشديد النقدي بدلاً من أن تعمل بمعزل عنه. واستجاب مديرو الدين بتقصير آجال الإصدارات؛ إذ كان متوسط أجل الاستحقاق عند الإصدار في 2025 أقل بنحو عام واحد من مستواه في 2021. وهبطت حصة الإصدارات السيادية التي تتجاوز آجالها 10 سنوات إلى أدنى مستوى منذ 2009، بينما شكلت أذون الخزانة نحو 48% من إجمالي الاقتراض في 2025 ومن المتوقع أن تبقى قرب النسبة نفسها في 2026. وأصبحت الأذون تمثل 15% من رصيد الدين، ما يخفض الكلفة الفورية مقارنة بالإصدار الطويل لكنه يرفع وتيرة العودة إلى السوق لإعادة التمويل.
هذا التحول يفسر المقايضة الأساسية أمام مديري الدين: السند الأطول يثبت الكلفة مدة أكبر ويقلل مخاطر إعادة التمويل، لكنه يصبح أكثر كلفة عندما ترتفع علاوة الأجل. أما الإصدار القصير فيخفض الكلفة الحالية وقد يكون أسهل امتصاصاً، لكنه يترك الموازنة أكثر حساسية لأسعار الفائدة السائدة عند كل استحقاق جديد. وتظهر نتائج المنظمة لـ36 دولة خلال 2010-2025 أن زيادة انحدار منحنى العائد بين أجلي 10 سنوات وعامين بمقدار نقطة مئوية واحدة ترتبط بانخفاض متوسط أجل الإصدار بنحو 0.9 سنة. وهذه العلاقة تشرح لماذا قد يؤدي ارتفاع العوائد الطويلة اليوم إلى تركيز مخاطر أكبر في جدول إعادة التمويل مستقبلاً بدلاً من إلغائها. وبالنسبة إلى حامل السند، فإن قصر الأجل يقلل حساسية السعر لتغير العائد، بينما يظل السند الطويل أكثر تعرضاً لخسائر رأسمالية إذا واصلت علاوة الأجل الارتفاع.
وفي 17 سبتمبر 2026 نشر بنك إنجلترا قراره بالإبقاء على سعر البنك عند 3.75%، بتأييد 6 أعضاء مقابل تفضيل 3 أعضاء رفعه إلى 4%. وقرر البنك أيضاً تصفية الرصيد المتبقي من السندات الحكومية المحتفظ بها لأغراض السياسة النقدية، والبالغ 368 مليار جنيه إسترليني، بمتوسط خفض سنوي قدره 46 مليار جنيه حتى نهاية 2034. وتتضمن الخطة مبيعات سنوية بقيمة 20 مليار جنيه إلى جانب السندات المستحقة، ما يجعل مسار الميزانية العمومية للبنك عاملاً ينبغي إدخاله في تقييم عرض السندات البريطانية. وتُظهر القرارات مجتمعة أن مسار العوائد لا يعتمد على سعر السياسة وحده، بل على تفاعل الفائدة القصيرة مع المعروض السيادي وعلاوة الأجل ووتيرة تقليص محافظ البنوك المركزية.
المحفزان النقديان التاليان محددا التاريخ: اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يومي 27 و28 أكتوبر 2026، وإعلان بنك إنجلترا التالي في 5 نوفمبر 2026. وسيبحث المستثمرون عما إذا كانت القرارات الجديدة تعزز بقاء تكلفة التمويل مرتفعة، فيما توفر نتائج الإصدارات السيادية دليلاً مباشراً على قدرة السوق على استيعاب اقتراض متوقع قدره 18 تريليون دولار وإعادة تمويل بقيمة 14 تريليون دولار في 2026. ويقوى التحذير إذا ظلت عوائد أجل 30 عاماً مرتفعة أو واصلت علاوة الأجل الصعود بالتزامن مع اعتماد أكبر على الديون القصيرة. أما تراجُع علاوة الأجل، أو تعافي الطلب طويل الأجل، أو انخفاض الاقتراض الفعلي عن توقعات المنظمة، فسيخفف انتقال ضغط السوق إلى الموازنات. وحتى ظهور تلك الأدلة، تبقى المخاطرة الأساسية لحامل السند الطويل هي استمرار خسائر السعر، بينما تتمثل مخاطرة الاعتماد على السندات القصيرة في ترحيل عبء إعادة التسعير إلى آجال أقرب.